ابن الجوزي
89
بستان الواعظين ورياض السامعين
ينادي مناد من قبل العرش : أين اللوح المحفوظ ؟ فيؤتى باللوح المحفوظ فيوقف بين يدي الجبار جل جلاله خاضعا ذليلا ، فيقول له تبارك وتعالى : ما صنعت بالوحي الذي أنزلت فيك ؟ واللوح من درة بيضاء ، صفحتاه من ياقوتة حمراء ، عرضه كما بين السماء والأرض ينظر اللّه تبارك وتعالى فيه في كلّ يوم ثلاثمائة وستين نظرة ، فيخلق في كل نظرة ، ويحيي ويميت ويعزّ ويذل ، ويرفع أقواما ويفعل بهم الخير ويوفقهم بفضله ويخفض أقواما ويصدهم عن منهاج الهدى بعدله ، لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون يوم القيامة لأنهم ما قدروا اللّه حقّ قدره ولا عبدوه حقّ عبادته ، لأنه جل جلاله أجل وأعظم من أن يوفّى في العبادة والطاعة والمعرفة حقّه ، ما قدر على هذا نبيّ مرسل ولا ملك مقرب ، فسبحان من لا سبيل إلى معرفته إلّا بالعجز عن معرفته . قال : فيقف اللوح بين يدي الجبار جل جلاله وعظمة قدرته فيقول له : أيها اللوح المحفوظ ما صنعت بالذي أنزلته فيك ؟ فيقول اللوح المحفوظ : سيدي ومولاي بلغته عبدك ميكائيل . [ 153 ] رسالة ميكائيل فينادي : أين ميكائيل فيؤتى به صلى اللّه عليه وسلم وهو ملك عظيم له ستة عشر ألف جناح لو نشر منها جناحا واحدا في الدنيا لما وسعته ، فيقف بين يدي اللّه تبارك وتعالى خاضعا ذليلا قد بلغت نفسه إلى حنجرته فلا هي تدخل ولا هي تخرج خوفا وجزعا وهيبة من الجبار جل جلاله ، فيقول اللّه له : ما صنعت بالوحي الذي بلغ إليك اللوح المحفوظ ، وهل تشهد له بالتبليغ ؟ وأنا أعلم بذلك منك ولكن سبق في علمي أني أسألك اليوم عبادي وجميع خلقي واستشهد بعضهم على بعض ، فيقول ميكائيل : يا رب بلغني اللوح المحفوظ وبلغته عبدك إسرافيل وأنت أعلم . [ 154 ] رسالة إسرافيل فيبرأ اللوح المحفوظ بشهادة ميكائيل له ، ثم ينادي : أين إسرافيل ؟ فيؤتى به صلى اللّه عليه وسلم وهو ملك عظيم له جناح بالمشرق وجناح بالمغرب ورجلاه تحت تخوم الأرض السابعة السفلى والعرش على رأسه فيقف بين يدي اللّه تبارك وتعالى وجل مع عظم خلقه خاضعا ذليلا قد ذهلت نفسه وتغير لونه ، وارتعدت فرائصه واضطربت أوصاله واصطكت ركبتاه ، وقد بلغت نفسه إلى حلقه فلا هي تدخل ولا